العزلة اتصال أم انفصال

افتتاحية العدد 127 من مجلة الفصول الأربعة

“استطاعت جائحة فيروس الكورورنا المستجد (كوفيد 19) منحي الفرصة لتنفيذ الكثير من الأعمال، والمشاريع، وفرصة أكبر للتفكير، خاصة في مسألة العزلة بعد شهرين قضيتهما في عزلة شبه تامة، لا تواصل إلا مع أفرد أسرتي الصغيرة، وفي حدود البيت”.

وإن كنت في مقالتي الافتتاحية في عدد مجلة الفصول الأربعة الماضي (126) عنونت مقالي بـ(العزلة في زمن الإنترنت)، والتي تحدثت فيه عن العزلة في زمن التواصل الموازي عن طريق الإنترنت، وبشكل خاص منصات التواصل، التي حققت الانعزال (التباعد)، ولم تحقق العزلة، فهي مبنية على أساس نهايات أو أقطاب غير موصولة تعمل على وصلها. لكني فيما بعد وجدتني أعود للتفكير في العزلة ذاتها، خاصة وإني ضمنت مقالي ملخصاً لرواية (الرهان) للكاتب الروسي الكبير “أنطون تشيخوف”، وكيف إن المصرفي عندما ذهب إلى السجن، لم يجد المحامي، الذي غادر غرفة السجن تاركا رسالة يقول فيها: (حين قبلت الرهان كان هدفي الحصول على المال، لكني قبل انقضاء الوقت بقليل قررت الانعتاق من سجني والانطلاق إلى الحياة فقيراً).

والسؤال هنا؛ لماذا ترك المحامي سجنه قبل حصوله على الرهان؟ ولماذا قال: قررت الانعتاق من سجني والانطلاق إلى الحياة فقيراً؟

هنا؛ لن أحاول الإجابة عن هذين السؤالين، بقدر ما أحاول الاقتراب منهما! بقصد الحصول على رؤية أو فكرة تصلح للنقاش.

كلنا سمع بجملة (الإنسان كائن اجتماعي بطبعة)، وهي ترقى عند الكثير إلى مرتبة القاعدة، وحقيقة يثبتها التاريخ الإنساني، وتقرها الأديان والأعراف والقوانين، وعلى أساسها عمرت الأرض، فالتواصل أحد أهم الأساليب والوسائل لنقل الخبرات والمعارف والعلوم، بها انتقل العلم من الشرق إلى الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب، ولأنه تواصل فاعل ومؤثر، كان مادة مسجلة وموثقة برزت في متن التاريخ الإنساني منذ بداية عمليات الرسم على الكهوف، إلى العصر الرقمي.

ولأن الإنسان كائن اجتماعي -بطبعه-، ويحتاج هذا العلاقة المادية مع الأخر، كان الحبس أحد صور العقاب التي يقررها النظام أو القانون على الإنسان المخطئ، بحيث يتم حجز حريته، في شبه عزلة ضمن مجموعة، وعندما يكون مستوى واتجاه الخطأ كبيراً، يتم عزل هذا المخطئ، في محبس معزول (حبس انفرادي). وأثبتت التجارب، إن الإنسان مهما بلغت قوة عزيمته يسقط أمام هذه العزلة، ويرضخ!!، فهل تقدم لنا هذه الحقيقة جواباً؛ لماذا ترك المحامي سجنه؟

في المقابل تؤكد الوقائع التاريخية، ذاتها، إن للعزلة أثر كبير في الحراك البشري، والمفاصل التاريخية المهمة، فالعزلة كانت ملجأ الأنبياء، والعلماء الذين أثر عزلتهم حاضرا بيننا ومازال. ولعل هذا يعيدني إلى رؤية الدكتور “مصطفى محمود” حول العزلة، والتي بدأت بها مقالة الافتتاحية التي أشرت لها سابقاً، والتي يقول فيها؛ (إن الإنسان بين حياة يجمع فيها الخبرات والمعارف، وعزلة يقوم فيها بهضم هذه التجارب). وسنجد إن هذه الحركة في تكرارها؛ هي آلة إنتاج الفكر والإبداع.

في نموذج الدكتور “مصطفى محمود” نجد إن الاتصال البشري، والحياة الاجتماعي مهمة لحياة العزلة، كونها الزاد الذي تعيش عليه، والذي يمدها بالقوة لاستمرارها. وربما استطاع هذا النموذج أن يجيب عن سؤالنا الذي خرجنا به من قصة “تشيخوف”، لكنني سأتجاوز هذه المحاولة!

مما يحسب للعزلة قدرتها على منح طالبها القدرة على التركيز، والخروج من دائرة الحياة اليومية بما فيها من مادية وخبائث، خاصة عندما تكون مطلباً وغاية، ووسيلة إلى السلام مع النفس، وفي ذات المقام عزلة العابد، وعزلة العالم الذي يحاول الوصول إلى نتيجة أو حلا لمسألة. في العزلة يكون الفرد أقرب جداً لذاته، وقريبا منها، بل إنه قد يتجاوزها. بالتالي تطاوعه نفسه على الاستمرار والمضي أكثر في العزلة، لأنها اختيار. على العكس، لا يتحقق هذا في العزلة المفروضة، كالسجن أو الحبس الانفرادي، إذ تظل النفس معلقة بما خلف القضبان والجدران، وعندما تتعب، ترضخ وتسلم!!

وفي ظني، وبناء على المعطيات التي مررنا بها، فإن العزلة أعطت المحامي الفرصة للتركيز أكثر، بعيدا عما يشوش اتصاله بذاته (نفسه) في مراجعة لتجربته وما يمكن أن يحققه، ومع الوقت يظل يعيد تقييم أو تقويم التجربة، ليجد أن عزلته في هذا السجن، لا تساوي لحظة حرية يعيشها مع أفراد أسرته ويتواصل فيها مع الأصدقاء، لذا يكسب رهان نفسه ويغادر دون أن يبيعها مقابل المال!

أعتقد أن فكرتي تبلورت، والتي تقول؛ إنه مع تحول العالم إلى قرية صغيرة، بفضل ثورة الاتصالات، واعتماد البشر في أغلب بقاع العالم على شبكة الإنترنت في الاتصال والتواصل والوصول إلى المعلومات والاطلاع على مجريات العالم، فإنه جائحة فيروس الكورونا المستجد، أعادت إحياء الكثير من الأفكار والتصورات السابقة، والتي ترى إن العالم أو المجتمعات البشرية ستتحول إلى جزر معزولة، ماديا، ومتصلة عبر الشبكة.

إن هذا التصور أو الوضع، أن يكون الإنسان معزولا -مادياً- عن مجتمعه، بمعنى فقد التواصل الملموس والحسي مع نظرائه من أفراد المجتمع، سوف يفقد تأثيره في وجود تواصل شبكي يمكنه من إشباع حاجة التواصل مع الآخر، ويغلب به وحشة العزلة بالإبحار الشبكي، قد لا يحقق هذا الوضع سلاما روحياً أو استقرارا نفسياً للجميع، لكن من المؤكد إنه ثمة من يستطيع أن يحقق هذا التكامل بين العزلة والتواصل، على مبدأ؛ إن التواصل يمنح العزلة بعداً جديدا ومغامرة تستحق التجربة، في ظل غنى كبير تتيحه الشبكة، ليتحقق في هذا الشكل الاتصال وينتفي الانفصال.

أن تجربة العزلة في زمن الإنترنت، زمنت الاتصال والتواصل، يؤكد ما يمكن أن تحدثه شبكة الإنترنت في حياتنا من تغيرات على مستوى السلوك الفردي والمجتمعي، ونحن في انتظار ما سيكون بعد أن تنتشر تقنية (إنترنت الأشياء)، حيث كل شيء يعمل من خلال الشبكة.


مجلة الفصول الأربعة – العدد 127 – السنة 32 / أكتوبر – خريف 2020

العزلة اتصال أم انفصال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.