الرواية النسائية الليبية رواية التفاصيل والكشف

افتتاحية العدد 132 من مجلة الفصول الأربعة (يناير- شتاء 2022)

Photo by Nadi Lindsay from Pexels

ترمومتر

منذ الرواية النسائية الليبية الأولى، رواية (شيء من الدفء)، للكاتبة والروائية “مرضية النعاس”، والروائيات الليبيات يثبتن ارتباطهن بمجتمعهن، والأقرب إلى رصده، والمقياس لتطوره اجتماعياً.

فتاريخ صدور أول رواية لروائية ليبية، ليس مجرد تاريخ وسبق، بقدر ما هو نتيجة لسنوات من التعليم والتنمية، وخوض المرأة الليبية لتجربة التعليم والخروج للعمل، والكتابة الصحفية والإبداعية، التي تنفست من خلالها المرأة، وناضلت من أجل قضيتها العادلة للاعتراف بها كعضو فاعل في المجتمع، ضد ثقافة الإقصاء والوأد التي يتبناها المجتمع لكل ما هو أنثوي.

هي مغامرة، كون الرواية أدب الكشف، والرصد، وعندما تكون الرواية لسان الكاتبة، فإنها تتحول إلى مرآة تعكس من خلالها واقعها وتكشفه، وتضع المجتمع أمام الحقيقة التي يخشى مواجهتها، وأزعم أن الرحلة من أول رواية نسائية ليبية، وحتى (علاقة حرجة)1، وهي آخر ما صدر من الروايات الليبية؛ لروائية ليبية تاريخ كتابة هذه القراءة، هي رحلة غنية بالكثير من المتغيرات التي يمكننا أن تشغل طاولة البحث لوقت طويل، على أكثر من مستوى، فكري، وإبداعي، واجتماعي، وسياسي، وحتى اقتصادي. فهي أقرب إلى الترمومتر الذي يمكن به قياس درجة حرارة تفاعل المجتمع ونهضته.

محطات

منذ العام 1972م، وحتى العام 2019م، حوالي 47 عاما، هي عمر الرواية النسائية الليبية، والروائية الليبية، عرفت فيها محطات مهمة، ارتبطت بالتغيرات الاجتماعية والسياسة في ليبيا، وهي:

القصة القصيرة، هي مدخل الكتابة الروائية لغالبية الروائيات الليبيات، وربما أضفنا الشعر لهما، كما في تجربة كل من؛ فوزية شلابي، رزان المغربي، ونجوى بن شتوان. وكما شهدنا أكثر من شاعر يكتب الرواية، تكتب الشاعرة الليبية “عائشة المغربي” روايتها. وأعتقد أن القصة القصيرة مدخل جيد لتجربة الكتابة الروائية، وهو مشهد مألوف في الأدب العربي والعالمي.

سبعينيات القرن الماضي: وبالرغم من صدور رواية يتيمة في هذه العشرية، فهي محطة مهمة في تاريخ المجتمع الليبي عرف فيها الكثير من التحولات الكبرى وحضور واضح للمرأة الليبية في المجتمع. ويمكن اعتبار صدور (شيء من الدفء)3 هو اللبنة الأولى في تجربة الكتابة النسائية في ليبيا، التي دشنت القصة فيها الريادة بصدورها في نهاية خمسينيات القرن الماضي2.

منتصف ثمانينيات القرن الماضي: هذه العشرية المفصل في تاريخ ليبيا الحديث على المستوى الإبداعي. تمثل هذه العشرية تجربة مهمة في الشعر الليبي وبشكل خاص تجربة قصيدة النثر، وانتشار الروح الثورية والمقاومة في النص الليبي، والذي تحولت فيه الكاتبة الليبية إلى صوت صادح يكشف عن نفسه بقوة ووضوح، ويعبر عن نفسه بدون مواربة مطالبا بمكانه في المعركة.

إنها المحطة التي تقدم لنا تجربة روائية نسائية مختلفة، رواية تجاوز بامتياز، تخلت فيها المرأة عن ثوب الحكاءة، ونمطية الخطاب والشكل، إلى مفازات النص الحديث، وأزعم أن رواية (رجل لرواية واحدة)، للشاعرة والكاتبة “فوزية شلابي” هي أول رواية حداثوية في الأدب الليبي. وهذه الرواية صدرت في 1985م، إضافة إلى روايتين اثنتين هما؛ المظروف الأزرق – مرضية النعاس (1982)، والمرأة التي استنطقت الطبيعة – نادرة عويتي (1983).

نهاية تسعينيات القرن الماضي: تتمحور فيها الرواية حول الذات، وتعيد فيها الكاتبة “شريفة القيادي” الرواية إلى ساحة المجتمع، من خلال روايتيها؛ هذه أنا، البصمات. وتعيد السرد إلى مربعه الأول؛ ناحية سلطة الراوي، وتقريريته. وهنا نسجل إنها حتى نهاية القرن، كان مجموعة ما صدر من روايات نسائية هو 6 روايات، لـ4 روائيات ليبيات.

بداية الألفية الثانية وما بعدها: قفزة كبيرة قامت بها الرواية النسائية في ليبيا، وعلى أكثر من مستوى واتجاه. ويمكننا اعتبار إن الألفية الثانية البداية الجديدة للرواية النسائية في ليبيا، من خلال عدد الروائيات، وبالتالي حجم المنتوج الروائي، وأيضاً خروج هذه الرواية خارج حدود ليبيا.

وفي ظني إن رواية الألفية؛ جاءت نتيجة للتراكم المعرفي الانفتاح على التجارب الروائية العربية الكبرى، خاصة وإن الشعار الذي كان مرفوعاً وقتها، وربما لازال أن (الرواية ديوان العرب الحديث). وهنا يمكننا اعتبار هذه المحطة، نقطة الانطلاقة الحقيقية للرواية النسائية في ليبيا. وهنا أشير إلى رواية (الهجرة على مدار الحمل)4 للرواية “رزان المغربي”، والتي تعتبر نقلة في تجربة الرواية النسائية في ليبيا، كونها استفادت من منجز الرواية العربية في تقديم عمل مغاير عن المنجز السابق روائياً، على مستوى الموضوع وتقنيات السرد.

غلاف العدد 132 من مجلة الفصول الأربعة
غلاف العدد 132 من مجلة الفصول الأربعة

ملاحظات

من أهم الملاحظات المهمة التي يمكن التوقف عندها فيما يخص الرواية النسائية في ليبيا، ما بعد الألفية:

موضوع الرواية؛ في مستويين، في المستوى الأول تعدت الرواية مرحلة رصد المجتمع، إلى مرحلة الكشف، أو تعرية المجتمع، والحديث عن المسكوت عنه، كما في رواية (للجوع وجوه أخرى)5 للقاصة والروائية “وفاء البوعيسي”، أو البحث في التاريخ والبحث فيه وكشفه؛ كما في رواية (زرايب العبيد)6 للقاصة والرواية “نجوى بن شتوان”، أو الذهاب في التاريخ أكثر، التاريخ القديم، كما في رواية (حرب غزالة)7، للقاصة والروائية الليبية “عائشة إبراهيم”. أو استحضار روح المدينة، كما في تجربة الكاتبة والروائية “فريدة المصري” من خلال روايتها (أسطورة البحر – رواية الروح)8، في محاولة لاستحضار روح مدينة طرابلس.

المستوى الثاني، كسر التابوهات، والذي كانت فيه الروائية الليبية الأكثر جرأة، ولعل أكثر من راهنت على ذلك هي “وفاء البوعيسي” التي ومن روايتها الأولى (للجوع وجوه أخرى)، أعلنت الحرب على مثلث التابوه المقدس للمجتمع الليبي.

الملاحظة الثانية وتتعلق بالتجريب على مستوى السرد، والذي نلاحظه بشكل واضح في تجربة “بن شتوان” بداية من روايتها (وبر الأحصنة)9، وأيضاً من خلال روايات “البوعيسي” الأخيرة، وبشكل خاص روايتها (وردة الإثم الحمراء)10. وأضيف هنا، أن تجربة “بن شتوان” على مستوى السرد تعتبر من أنضج التجارب الروائية من الناحية الفنية.

ثالث الملاحظات، الاشتغال الروائي البحت، بتحول الرواية إلى مشروع معرفي، وهنا نتحدث عن تجربة القاصة والروائية “عائشة الأصفر”، التي تتحول الرواية معها إلى معمل اختبار، وهي إلى عالمة تمزج وتخلط بخبرة ما يكون نتاجه نصاً روائياً مميزا، يتمازج فيه الغرائبي بالواقعي، بالتاريخي، دون أن تغيب عنه التيمات والمرجعيات الفكرية والمعرفية. في ذات السياق تأتي رواية (صراخ الطابق السفلي)11 البكر، للناقدة “فاطمة الحاجي”.

ختامًا

– بقدر ما احتفى المجتمع الأدبي والثقافي في ليبيا بالمرأة الكاتبة، ظل المجتمع ينظر لها نظرة من قامت بفعل فاضح، عليها التبرئ منه أو وأده.

– المرأة الليبية المبدعة وهي تخرج على المجتمع (موروثاً وعقلية) شاهرة قلمها، قدمت وضحت بالكثير حتى تفوز بالموقع الذي وصلته، وبالرتبة التي تتمايز بها إبداعياً.

– ولأنها جزء من هذا الموروث، كان أن عمدت إلى الإطاحة به وكشفه، والاشتغال عليه من الداخل بنية خلخلة هيكله وإضعافه.

– الرواية النسائية الليبية، هي الرواية الأغنى بالتفاصيل والأكثر اشتغالاً على المجتمع القريب، والأجرأ في الكشف.

– الرواية النسائية الليبية وإن تأخرت في الصدور مقارنة بمثيلاتها العربيات، إلا أن هذا التوقيت هو الأوان الطبيعي والمنطقي.

– الرواية النسائية الليبية تجربة غنية، وفيها الكثير. وللأسف هي أحد ضحايا النقد الليبي الكسول، الذي لم يلتفت إلى هذا المنتج بالشكل المطلوب12.

– حتى الدراسات والبحوث الأكاديمية، لم تلتفت بالشكل الكبير للرواية النسائية في ليبيا، إذا مازلت تراوح عند منجزات الكوني والفقيه13. وهو ما نتمنى أن يتم تجاوزه قريباً.


هوامش:

– هذه الافتتاحية هي في الإساس جزء من ملف العدد حول الكتابة النسائية.

1- عائشة الأصفر (علاقة حرجة)، دار البيان للنشر والتوزيع والإعلان، بنغازي، 2019م.

وهي آخر رواية نسائية ليبية صدرت (أكتوبر 2019م) حتى تاريخ كتابة هذه القراءة.

2- زعيمة الباروني (القصص القومي)، المطبعة العالمية، القاهرة، 1958م.

3- نشرت أولى حلقاتها في (مجلة المرأة)؛ في: 5/12 /1968م.

4- دار الأوائل، دمشق، 2004.

5- منشورات المؤتمر، طرابلس، 2006م.

6- دار الساقي، بيروت، 2016م.

7- مكتبة طرابلس العلمية العالمية، طرابلس، 2018م.

8- دار الفرجاني، طرابلس، 2014م.

9- مركز الحضارة العربية للإعلام والنشر والدراسات، القاهرة، 2005م.

10- إصدارات كيندل 2018م.

11- دار النهضة اللبنانية، بيروت، 2015م.

12- للأسف يعاني الأدب الليبي من ضعف التجربة النقدية، وقصورها عن مواكبة المنتج الإبداعي في جميع الأجناس الأدبية دون تخصيص.

13- الكثير من رسائل الماجستير والدكتوراه تناقش في الرواية منجزات “إبراهيم الكوني” و”أحمد إبراهيم الفقيه”، وربما تجاوزتاهما لاسم او اثنين آخرين..

الرواية النسائية الليبية رواية التفاصيل والكشف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.