القصة في شكلها البسيط

ها هي مجموعة قصصية جديدة، لقاصة تجتهد في شق طريقها إلى عالم الكتابة القصصية، بهدوء ودون إثارة أي ضجة!!! في عالم يتحول من الواقع إلى الافتراضي، بدأت بنشر نصوصها عبر المواقع الثقافية والأدبية، ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث وجدت البراح لنشر نصوصها القصصية. عندما قرأت أولى نصوصها القصصية قبل عامٍ -تقريباً-1، أدركت أن ثمة قاصة جديدة تبدأ خطواتها على درب “لطفية القبائلي” و”مرضية النعاس”، وتكمل مسيرتيهما في كتابة القصة القصيرة النسائية في ليبيا.

بساطة في كل شيء!!

لعل أهم ما يميز نصوص هذه المجموعة، أو مجمل نصوص قاصتنا، هو بساطتها، سواء على مستوى اللغة السردية التي لا تبحث عن الإبهار أو الفخامة؛ فالمفردات بسيطة ومما يصادفنا كثيراً، والأوصاف هي ما يقع في النفس مباشرة، أو ما يعرف بأثر اللقاء الأول.

الصورة الثانية لهذه البساطة؛ هو في ترتيبها للمشهد القصصي، فهو في العادة بدون تأثيث أو صخب، بحيث يكون التركيز أكثر على الحدث ذاته، بعيداً عن المشتتات والتفاصيل التي تأخذ من جهد القاصة، وتبعدها وتأخذ القارئ بعيداً عن الهدف الذي تريد التركيز عليه.

فالقاصة تسعى لنقل مشهد أو حالة شعورية أو إعادة تصدير التقاطة، أو نقل خبرة، بالتالي فهي تبحث عن لغة بسيطة، سلسة يمكنها الوصول سريعاً.

هذه البساطة التي تغلف القصة، تجعلنا في حالة توقع مستمر للمختلف والمغاير دائماً، أو استكمال المشاهد وتأثيثها، بالاعتماد على ذائقة المتلقي، بذا فإن القاصة تنجح في أن تمس القصة كل قارئ بشكل مختلف.

علاقات حميمية!!

الملاحظة الثانية التي نتوقف عندها هنا؛ علاقة القاصة بمكونات القصة، نقصد تلك العلاقة التي نطالعها بشكل واضح لحظة التماس الأول بينهما، لذا يمكننا فهم لماذا كان عنوان المجموعة عن جماد موجود في حقيبة كل فتاة أو على رف التزين لديها.

فهي تتدرج في رسم وتأطير هذه العلاقة في تهيئة وتحضير وتفاعل، حتى الوصول ذروة الحدث. التي قد تنتهي أو تستمر، وإن في الفقد. هذه العلاقة مع الأشياء لا تسعى إلى أنسنة الموجودات، أو منحها بعداً إنسانياً وعاطفياً مؤثراً، الإخلاص في هذه العواطف كان موجهاً للإنسان ذاته.

وتأسيساً على مسألة البساطة، المشار إليها سابقاً، نستطيع فهم ألية العلاقات التي تقوم القاصة ببنائها داخل النص القصصي وتفاعلها في سياق السرد القصصي.

عـين راصـدة!!

في مجموع الـ26 قصة التي تضمها المجموعة؛ تتكشف لنا بوضوح العين الراصدة والقادرة على الالتقاط، والأذن المرهفة لسماع القصص الإنسانية. وهي خبرات ومعارف يتم حفظها في الذاكرة، حيث يعمل اللاوعي على إعادة إنتاجها في شكل نصوص قصصية، تضفي عليها القاصة من خبراتها الشخصية، والتي هي نتاج ثقافتها الشخصية وثقافة المجتمع، وتأثير المحيط بما فيه من أحداث وحوادث.

اللغة ليست مجرد أداة، بقدر ما هي وسيلة تكشف البعد والعمق الثقافي للقاصة، ورصيدها المعرفي، والذي يمنحها قاموساً من المفردات، يعينها على بناء الرموز والدلالات. ولأن البساطة هي الراعي لهذه النصوص، خاصة في حداثة التجربة؛ يتكشف لنا سبب اعتماد النصوص لغة سهلة وبسيطة المفردات، لا تبحث في القاموس بقدر ما تعتمد على اللغة التي تطالعنا في المنشورات اليومية على الإنترنت، حتى اللحظات التي تحمل قدراً من العاطفة والحميمية، نجد القاصة تعمد إلى توصيفها بطريقة لا تذهب فيها في التفاصيل، مكتفية بلحظة أو لحظات التماس، تاركة للمتلقي مساحة أكثر للتخييل والتوقع.

المجموعة القصصية حكاية مشط

لماذا حكاية مشط؟

في رأي إن قصة (حكاية مشط)2 والتي عنونت المجموعة القصصية البكر للقاصة “هدى القرقني” تلخص أهم سماتها القصصية التي توقفنا عند أهم محطاتها، والتي تنوعت موضوعاتها بين الخاص والعام، فالقاصة بالرغم من إقامتها خارج وطنها الأم (ليبيا)، إلا إنها استطاعت أن تقف من خلال مجموعة من القصص على ما يعينه الوطن، وبشكل خاص الإنسان الليبي من أوجاع، وأن تسترجع بعضا من تراثه وتراثها الثقافي.

فهي تتناول لحظات النزوح والهرب من القذائف، وتقف بجوار القط الذي يرتقب تلك السيدة وهي تقوم بنشر القديد، أو أن تتحول راكبة في جندول، أو مشطاً او زجاجة عطر. في كل هذه التنقلات أو التموضعات كانت القاصة “هدى القرقني” تشاركنا اكتشافاتها، فالقصة لديها نوع من الاكتشاف، بداية من مدخل القصة الذي يرصد لحظة ما على خط زمن القصة، وسنلاحظ إن أكثر النصوص تبدأ بـ(كان، كنت، عندما)، ومع الاستمرار في قراءة القصة، تبدأ المعالم تتكشف، وتكتمل الصورة في جملة مفتوحة أو استفهام عند نهاية القصة.

(حكاية مشط) مجموعة تنبئ عن وصول قاصة متميزة!!!


هوامش:

1- عبر حساب (السقيفة الليبية) على منصة التواصل الاجتماعي الفيسبوك.

2- هدى القرقني (حكاية مشط) – مجموعة قصصية، مكتبة الكون، القاهرة، 2020م.

القصة في شكلها البسيط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.