حكاية المكان.. قراءة في كتابات القاص والروائي “إبراهيم الإمام”.

القاص والروائي إبراهيم الإمام.
القاص والروائي إبراهيم الإمام.

المكان أحد العناصر المهمة في الكتابة السردية، كونه يمنح النص السردي، قصة أو رواية، بعداً جغرافياً، يمكن من خلاله قياس الأحداث وتأثيرها. كما إن البعد التاريخي /المعرفي للمكان قد يؤثر بشكل مباشر على النص.

ولأن ليس كل الأماكن متشابهة، وإن ضمها حزام واحد، فإن اختيار المكان عنصر مهم في العمل الروائي، والقصصي، فهو يمنح النص عمقاً دلالياً.

المدن، كأمكنة، كانت هدفاً للكتابة، خاصة بما تحفل به من حيوات، وما تمثل من ظواهر، خاصة وإن مجتمعات المدن تتأثر بعاملين؛ الجغرافيا، والزمن كعنصر تاريخي، مما أكسب بعض المدن مكانة خاصة، وهدفاً مشروعاً للكتابة. كما إن الحياة الاجتماعية وطبيعتها، لهذه المدن، تكسبها الكثير من الصفات والمزايا لتكون هدفاً للكتابة الإبداعية.

غدامس، ليس مجرد مدينة، حتى لأبنائها، فما بالك لمن لا يعرفها، فهذه المدينة القديمة، منحتها الصحراء الكثير من صفاتها، ومنحتها لمسة سحرية، جعلت منها أيقونة صحراوية، بسبب وقوعها في قلب الصحراء، الأمر الذي جعل منها مدينة أسطورية، خاصة وهي أحد مراكز القوافل لدخول أفريقيا، وكذلك تاريخها الذي لا يعرفه الكثير. وما تميزت به من كونها مدينة تمد يداً في الثقافة العربية، وأخرى في الثقافة الأفريقية، لها شكلها ونسيجها الاجتماعي الخاص، ولغتها الخاصة، التي تميزها عن باقي المدن التي تجاورها. وبسبب انعزالها عن العالم، كانت مشروعاً للكثير من الحكايات، والأساطير، التي حيكت ممن زارها، أو من أبنائها الذين توارثوا هذه الحكايات، ولم ينسوها.

من إصدارات إبراهيم الإمام.

بثقة، أستطيع القول أني زرت مدينة غدامس، جوهرة الصحراء، بالرغم من عدم ذهابي إليه، للحد الذي يمكنني وصف تفصيل بيوتها من الداخل، وترديد بعض الكلمات والعبارات بلغة الهاوسا.

كيف؟

لقد تعرفت إلى مدينة غدامس عن طريق القاص “إبراهيم الإمام“، الذي حول مدينته غدامس إلى مشروع أدبي من خلال الاشتغال على حكايات المدينة من خلال القصة والرواية. و”الإمام” لا يقدم قصصاً وحكايات تراثية مجردة، أو لمجرد النقل، إنما يعيد إنتاجها في سياق سردي أدبي، مستفيداً مما تحمل هذه القصص من مضامين تاريخية، وثقافية، ومعرفية، ومفارقات، محافظاً على روح الحكاية، فلا يجردها من قدسيتها أو يفتضها، إنما يجتهد في تقديم نص أدبي مميز، فينجو من أن يستهلكه المكان، أو يبقى رهينه.

وللوصول إلى هذا الهدف، فـ”الإمام”:

إما يعيد إنتاج الحكاية التراثية بما يتوافق مع الواقع، فيتحول النص إلى لوحة فسيفساء مبهجة، حيث يأخذنا في رحلة إلى عوالم التاريخ، واستحضار الأماكن وتصويرها.

من إصدارات إبراهيم الإمام.

وإما كتب نصه وعمد إلى منحه شهادة ميلاد غدامسية، أي أن تكون مرجعيات الأحداث معرفياً، التراث الغدامسي.

بذا، لم تغب عن نصوص “الإمام” اللوحات الغدامسية التي تصف البيوت وطرق وأزقة وساحات المدينة، أو نقل الحياة الاجتماعية في واحدة غدامس، وتقديم صور عنها، ولعل أبدع هذه الصور تصويره لمشاهد الغيطة الاحتفالية، والاجتماع حولها واحتدام الحماس بين الراقصين. كما ولم يفته أن يقدم الكثير من التفسيرات لبعض الظواهر الغامضة التي تحيط بالمدينة، أو سبر أغوار عوالم الجن التي تعد أحد مكونات الثقافة الغدامسية، هذا دون ان ينسى ما تمثله هذه المدينة من تأثير ثقافي.

يمكننا القول، إن غدامس أسرت “إبراهيم الإمام”، وهو ابنها، لكنها لم تكلفه مالا يطيق، فكتبها كما شاهدها هو، لا كما تريد هي.

فكانت (غدامس) مشروعه الثقافي، في إعادة إحياء الثقافة الغدامسية من خلال الكتابة الإبداعية-الأدبية، في جنسي القصة والرواية، دون التوثيق المباشر والمجرد، كون الأدب يمنحه القدرة على إضافة الكثير من الجماليات لهذه الحكايات والقصص التراثية، وكشف خصوصيتها ومحليتها، ويكسبها قدرة على جذب القارئ إليها، ومنحه قدراً عالياً من المتعة.

حكاية المكان.. قراءة في كتابات القاص والروائي “إبراهيم الإمام”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *