ويبقى الشعر

حروفيات.
عن الشبكة.

 

مازال الشعر الجنس الأدبي الذي أجد فيه متنفسي الخاص، والبراح الذي أنطلق فيه حراً، وبلا أجنحة، أحلق، وأرتقع كدرويش في حلقة، لا يسمع مما حوله إلا نداء الوجد.

للشعر قدرة عجيبة، على التسرب، والولوج إلى النفس، وإحداث هزات متتابعة، وإنعاش المناطق الساكنة، وإنارة الروح، ونشر عبق الفرح، والنشوة.

النص الشعري، غني، وثري، فهو لا ينقل وجع أو فرح الشاعر، أو حالته، إنما ينفتح على الكثير من الأبواب التي تمثل موارد الشاعر، ومعارفه، وما استعان به لكتابة هذا النص، كما إنه -أي النص الشعري-، ينقلك من خلال الصور والمشاهد التي يرسمها إلى المستقبل، فدائماً ثمة ما يخبئه النص، وثمة دائماً ما ينتظرنا.

هذا الإبهار، لا يرتبط بنمط النص الشعري، كأن يكون قوياً في الشعر التقليدي (العمودي)، أو أكثر انفتاحاً وبهجة في الشعر الحر (التفعيلي)، أو أشد غموضاً وذاتية في قصيدة النثر. فكل نص يملك من الإمكانات ما تجعله مبهراً وقادراً على الإدهاش في كل مرة، وهو النص الحي. ففي تقديري البسيط، النص الذي لا يدهشك في كل معاودة قراءة، نص قصير الأجل، يموت مع انتهاء دهشته. أو هكذا أفسر بقاء بعض النصوص الشعرية، لعهودٍ وعهود، فحتى للشاعر الفذ، لا يمكنه أن يبقي نصوصه حية أبد الدهر، ثمة نص أو مجموعة نصوص تبقى حية، وقادرة على مقاومة الزمن، والتغيرات الثقافية والاجتماعية، والمحافظة على ذات القدر من الدهشة، والإمتاع.

مصدر هذه الدهشة، ليس الشكل، إنما روح النص، وهي الروح التي يولدها الشاعر من رحم التجربة، يتغذى من معارف الشاعر، وثقافته. الشرط في التجربة أن تكون قادرة على الخلق، خلق النص، وبعث الروح في مجموعة الكلمات والجمل، والتي سيكون للمعرفة والثقافة الأثر الكبير في تنشئته وتهذيبه، وتمكينه من الوقوف والاستمرار.

التجربة في أحد وجوهها، تعني موضوع النص. الموضوع، أو عما يتحدث النص، أحد المؤثرات التي تجعل من النص قادراً على البقاء الاستمرار، فالكثير من المواضيع، أو ما يسمى اصطلاحاً؛ الأغراض الشعرية، مازالت تج في نفس القارئ القبول وإثارة الراكد من الشجون.

الحرية -على سبيل المثال- أحد المواضيع التي تلاقي في النفس القبول، كون النفس البشرية تواقة للانطلاق، ورفض القيود.

القارئ للشعر والعاشق له، يعرف المواضيع التي يمكنها إدهاشه، والتي قد تتغير بحسب الاحتياج والزمان، والتراكم المعرفي. فعندما لا تعود الحرية مطلب، فإن القارئ سيغير اهتماماته الشعرية إلى الموضوعات التي تخدم زمنه واحتياجاته، وتضيف لرصيده المعرفي، وتستكشف مناطق جديدة في روحه.

وبالرغم من انحسار القراءة، وتراجع نسبها مع الزمن، إلا أن الشعر يظل الأكثر قراءة، وتداولاً بسبب كونه نشأ كفن شفاهي، أقرب للغناء. فهو الفن الذي ألفه الإنسان العربي، معبراً به عن كل حالاته وتصوراته.

يبقى الشعرُ قادراً على إطلاق أرواحنا من معاقلها، وإشباعنا حسياً ومعنوياً.

ويبقى الشعر

تعليق واحد على “ويبقى الشعر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.