حدود الأمنيات عند الشاعر رامز النويصري

 بهيجة مصري أدلبي

بهيجة مصري أدلبي

ناقدة – سوريا

حدود الأمنيات/ قصيدة تأخذ مشروعيتها وأسباب وجودها من لحظة كامنة في التمني، وكأن الشاعر يرسم لنا حلما تتشكل فيه الأماني، بل يصور لنا أمنية تتشكل في أحلامه التي مازالت مدلاة من سقف أمنياته.

فضاء

ولأن وجود القصيدة منوط بأمنية الشاعر، لذلك سنحاول البحث في أمانيه التي تشير إلى حالة من حالات التأمل المنزلة من رحلة الحزن، أو من سماء انكمشت حتى أصبحت سقفاً لعالم انكمش هو الآخر فصار غرفة، ومن هنا تأخذ الأمنيات عند الشاعر حدودها، وأبعادها، ومداها، الذي يتأمل من خلاله وجودها، ومدى انسرابها في ذاته، ولعل العلاقة بين الأمنيات والسقف، علاقة جدلية، تحيلنا إلى الصلة بين السقف واتساعه وعلوه، وبين الأمنيات، فنرى أن أمنيات الشاعر محاصرة بالمكان، كما هي محاصرة بالزمان، رغم علو المكان/السقف، إلا أن الأمنيات فضاؤها محدد، وحلمها مستلب، ومحاصر بعزلة الشاعر زمنيا ومكانيا:

آخرُ الأمنياتِ/ غرفة

سقـفُها عالٍ

يحتملُ الأحلامَ وأوراقنا المكدسة

سخونةَ الليل

رطوبةُ الصباح التحولنا جسدين..

وحين يريد الشاعر أن يكمل رسم صورة لأمانيه تأخذه العتمة، وكأن العالم/الغرفة/ شكل من أشكال الزنزانة لرؤى الشاعر، وهنا ينهض شوق الشاعر إلى أمنية بيضاء:

آخر الأمنيات/ بيضاء

نافذةٌ تشتاقُ النورَ،

وبابٌ لا يكتمُ السّر، ولا يحتملُ ضبِيحنَا حتّى النّهَايَة

يسقطُ مُنهكاً في المرآةِ المقابِلة،

ساحباً وجهه مبتلاً في دائرةٍ ترسُمنا أعلى الحائط، متقاطعين

بلا نقط..

وبالتالي تتمدد الأمنيات لدى الشاعر بحالة من حالات الحرية المنطوية كحلم في ذات الشاعر، وذلك لتحرير الذات من عزلتها، أو التحرر من سلطة الوقت التي تلقي بدقائقها وساعاتها وأيامها على تلك الأمنيات، فتحدها بجدران الغرفة، والسقف، كما تحدها بجدران الوقت، فإذا بالرحلة جدار يستند إلى جدار، وسقف الأمنيات ليس سوى وهم تجلى من وهم، والأمنيات ليست سوى خيوط واهية تتدلى من سقف واه، تحاصرها جدران العزلة، والنهاية:

كلّ الرحلة جِدارٍ

إلى جدارٍ يسندُ جهلنا اللعبة

وكذبة السقف

وأنّا قريباً نرفعُ أصواتنا حتّاه

ونركض بملابسنا الرسمية، حتى يرفعنا التعب إلى القمرِ

باردٌ وجاف

وحزينٌ، في ليلتك

وكأن الشاعر يقف على الحافة/ حافة الزمان/حافة المكان، حافة الأمنيات/ يتأمل تلك المرأة في صورة الماء/ التكوين/ المرأة/ الحلم/ المرأة التي تهز جذع أمانيه فيرى أسرار النور، ويرى أسرار العالم وهو يتكون قربها وحولها وخلفها، مشرقاً بابتسامتها، التي تحيط بالأماني والأحلام، لكن الحزن يكتنف الشاعر لحظ يموت ذلك المشهد، فتضيق عليه الأحلام، ويضيق هو بذاته، وهو يواجه السقف مرة أخرى، السقف الذي لا يرفع الأمنيات، بل يتركها تتلاشى في مداراتها الضيقة:

وحزينٌ وجهي اللحظةَ ساعة ذكرتُ رقصاتنا عند حافةِ الماءِ، أزرقٌ شفافُ في قدميكَ تذهبُ لحظتها على جسدي أبعدَ في الرّملِ، في الدسِّ فلا يعود من فسحةٍ إلا النزول

يا هذا/ الممتدُ حدّ نسيم وشاحِها

تكسّر لتشرقَ الشموسُ في الصورةِ خلفها، وتسطعُ هي

يعيدُ الرذاذُ تشكيلَ ابتسامتها نديّة

حزينٌ وجهي اللحظةَ ساعةَ يموتُ المشهدُ في إصبعْ

وحزين وجهي/ اللحظة

لا يرفعُ السقفَ أمنياتي الصغيرة

ولا أسطيعُ الحلم بعيداً عن خطوتي

ولا أحملُ جراباً بحجمِ أغنياتك

صغيرانِ جناحاي والأفقُ رحبٌ،

وهنا تأخذ الرؤيا عند الشاعر حالة من الانحدار من سقف الأمنيات، إلى قاع ضيق جداً على أحلامه، مما يدفعه إلى معاودة التمسك بحلمه/ المرأة التي تتجلى في أفقه ليرسمها مرة أخرى، لعل العالم يعاود تشكيل ذاته، وبالتالي يعاود الشاعر تشكيل أحلامه وأمانيه، بعيداً عن حدود السقف والجدران، لأن في وجود المرأة تتلاشى الأبعاد وتغيب المسافات، فهي امرأة شاسعة المدى، وشاسعة الخلق، بتماهيها مع أسرار الكون، محاولا أن يكشف عن المسافة بين أمانيه وبين تلك المرأة:

في عينيكِ لا معنى للأبعادِ ولا تعريفَ للمساحاتِ، تبدأ لتبدأ، وتنتهي في الغيْب

صغيران، ويحتملُ صدري جَهدَ السؤالِ، وامتلاكِ الوقت الأجوبة، ومراوغة الزمنِعن احتمالِ غصنٍ قريب..

لكن تلك المشاهد تغيب جميعها، لأنها مازالت في حدود الأماني، والأماني بعيدة عن متناول حلم الشاعر الحزين، ليبقى مشهد أخير / تشير إليه القهوة الباردة، فإذا بالأماني مازالت تتراءى له في سقف الغرفة العالي، تثير في الشاعر رغبة الصعود إليها ولا تنزل إليه ليبقى / أي الشاعر / في المسافة بين الحلم والواقع يحاول أن يمتص الوقت، لعله يتخلص من قيوده، وسلاسله، التي تحاصر وجوده:

حزين

وصغيران

يرفعُ اللحظةَ صوتَ الموسيقى

علها تقتل رغبة القفزِ، وتلحقُ بآخرِ ما تبقى من قهوةٍ باردة، كعادةِ الكبارِفي امتصاصِ الوقت

ترمي بأصابعهِ بعيداً عن حروفِ الشفاه

تحبسُ فيها الحروف إلى المربع الأبيض، وتفتحُ في السوادِ درباً لا يعرفهُ سارقُ التّبنِ وسيدةُ السلاسلِ تُنـزِلُها ليختفي في حلقتِها السّابعةِ

المسافة شاسعة بين الحلم والواقع، يرفع صوته يستجدي الأمنيات، دون جدوى من ذلك، فيرفع نظره إليها بحالة استسلام لثقل الواقع الذي يشده بحزنه، ليندس في أوراقه المكدسة التي أصبحت كل أمانيه، ويبقى متأرجحا في غبش الرؤيا، وحدة الانكسار:

أرفعُ صوتي:

السقف عالٍ،

والأمنياتُ لا تهدأ

ولا تنـزِل.

 

أظلُّ أنظرُ في السّقف

آخرُ الأمنياتَ هُناكَ

لا أصعد

حزامُ المكانِ ثقيل

أوراقٌ مكدّسة أسفلَ النافَذة

كتبٌ تبحثُ في الفراغِ جنبَ الدولاب

حاسوبً يستأثرُ بالسريرِ، وبي..

وهنا يكتفي الشاعر بأمنياته الصغيرة التي تحدها جدران الغرفة، دون أن يغادرها إلى احتمالات أحلام أخرى، وتشكيل صورة أخرى لأمانيه حيث يبقى منطويا في الغرفة تتراءى له أحلام وألماني وهو في حسرة مثقل بالحزن والورق والصمت والتأمل:

كل الأمنياتِ غرفةٌ تعرفُ كلّ شيء

تذكرُ من أغانين االصدى.

النص فيه من العمق ما يكفي ليأخذنا إلى تحليلات مختلفة للعلاقة بين الأمنيات والكائن المنطوي في عزلة المكان والزمان، فيه مساحات من الغموض الذي يشف عن الرؤيا، حاول الشاعر أن يضفي عليه إيقاعا داخليا متصلا بالموضوع ذاته، موضوع الأمنيات، وهذا الإيقاع تشير إليه افتتاحيات النص

/ آخر الأمنيات / غرفة

آخر الأمنيات / بيضاء

…..

كل الرحلة / جدار

حيث استطاع بهذه العبارات المكثفة المختصرة أن يحدد لنا إيقاع القصيدة، وحدود الأماني، ومسافة الرؤيا.

حدود الأمنيات عند الشاعر رامز النويصري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.