مفهوم الموت في النص الشعري الليبي المعاصر

مفهوم الموت في النص الشعري الليبي المعاصردراسة نشرها الدكتور “سالم أبوظهير” متناوً فيها الموت كحافز للكتابة الشعرية، من خلال مجموعة من النصوص الشعرية لمجموعة من الشعراء الليبيين. وقد خصني بجزء في هذه الدراسة.

عن الشبكة
عن الشبكة

***

خلال دراستي الجامعية في علم النفس عرفت أن الحوافز هي الأسباب الفكرية لمعظم الأفعال، والحافز بحسب موسوعة علم النفس الشاملة “قوة أو طاقة كامنة في داخل الكائن الحي تدفعه إلى القيام بسلوك معين تحقيقًا لهدف معين هو إشباع ذلك الدافع” بيد أن مفهوم الحافز في حقل الأبداع في الفنون والآداب لايختلف ولايبتعد عن مضمونه في علم النفس، فالحوافز هي تلك المثيراث، والمسببات والدوافع،التي تستفز المبدع وتدفعه دفعاً للتعبير عن مكنوناته ومايشعر به ليحيله للمتلقي أبداعاً في صور متعددة .

والشاعر مبدع بلا ريب،ويملك ذاكرة يمكنها أن تحتفظ بتفاصيل دقيقة جداً، ومواقف حساسة مختلفة تؤثر في حالته الوجدانية والإبداعية، فيستند على موهبته الشعرية، ولا يترك هذه التفاصيل دون أن يستثمرها ليحيلها إلى لحظة شعرية، ويترجمها فوراً إلى نص شعري،الذي كلما أجتهد في نقل أحاسيسه وأنفعالاته بعفوية ودون مواربة ولا شطط ولاتزييف، كلما أرتقى بنصه فيتذوقه المتلقي ويشعر بقوة عاطفه الشاعر وصدقها، ويحقق الشاعر هدفه السامي من كتابة النص.

وتتعدد هذه الحوافز وتتنوع ويهمنا هنا دراسة تتقصى (الموت) وحضوره في بعض النصوص الشعرية الليبية كحالة وكحافزا نفسياً للأبداع، ومدى تأثر بعض شعراء ليبيا المعاصرين ( بالموت ) وإنعكاسه على بعص نصوصهم الشعرية.ولايفوتني هنا أن أؤكد أن هذة الدراسة ليست أكاديمية،ولامتخصصة،ولاتزيد عن كونها دراسة صحفية فقط،بما تسمح به المساحة المخصصة لها.

ويهمني جداً إحاطة القاري الكريم هنا بأنني لم أحط بالشعر الليبي كله فهذا أكبر من همتي،وأكبر من أن تحيط به قدراتي وأمكانياتي،، لكنها دراسة موجزة،ومحاولة جادة مني لتقديم صورة ولو مبسطة عن موقف الموت ومفهومه لبعض الشعراء الليبين المعاصرين بأعتباره محفزاً على الإبداع نصوصهم الشعرية.

رامز رمضان النويصري

الشاعر رامز رمضان النويصري تحفل كثيراً من نصوصه الشعرية بهواجس متعددة تستحضر الموت بأشكاله المتنوعة ففي قصيدته (خيبة) التي كتبها في 15-11-2013 م وأهداها إلى ضحايا المظاهرة السلمية في طرابلس، يخاطب رامز الموت الذي حصد أرواح بعض المتظاهرين بلا رحمة متجارزاً لحالة الخوف التي ترافق عادة حالة ما قبل (الموت) فيقول :

جئتك أبيضاً،

تتقدمني زهرةُ ود.

كنتَ واقفاً

وكنتُ واثقاً أن النظرة التي تسددها عيناك لن تغدر بغصِن الزيتون.

كنتَ مستعداً

وكنتُ ساقطاً في لون وردتي الحمراء

في النص السابق، رغم تقة الشاعر في أن الموت كحالة، قريبة التوقع والحدوث فلم يغفل أن يؤكد ويقول ( كنتَ واقفاً، كنتَ مستعداً)، إلا أنه وبعين شعرية خالصة يصور للمتلقي محنة الموت المفاجئ والمباغت فيقول : ( وكنتُ واثقاً أن النظرة التي تسددها عيناك لن تغدر بغصِن الزيتون)،ويبدو أنها فعلت فمات في المظاهرة عدداً من المتظاهرين، أربكته وسببت له الحزن ولكنها أيضا جعلته يمعن في استعراض قوته النفسية في مواجهة الموت بالحب قائلاً (وكنتُ ساقطاً في لون وردتي الحمراء) ولم ينس رامز النويصري أن يفضح ألاعيب الموت من أول سطر في قصيدته ليذكره بخيبة أمله فيه لانه كما قال ( جئتك أبيضاً، تتقدمني زهرةُ ود ) ففجعتني بموت أصحابي..!!!!

وفي نص شعري أخر عنوانه (ترقب) يخاطب الشاعر رامز النويصري (الموت) بكثير من الحكمة والتفلسف ويتوجه بالحديث بشكل مباشر للصاروخ الذي سيرتكب فعل الموت فيقول :

أنتظرُك، فلا تتأخر

كُن سريعاً، ودقيقاً

لا تراوغ.

ثم يمعن في عدم الإكثراث وعدم المبالاة بما سيحدث قبل الموت أو بعده، بل يصر على مواجهة الصاروخ أداة الموت بطريقة ساخرة

أنتظرك،

تركتُ الشبّاك مشرعاً

فانفذ مباشرةً

ولا تحط السقف

فيغيبُ المشهد تحت الركام،

أيها الصاروخ.

كما يؤكد الشاعر رامز النويصري في قصيدته طبول الحرب أن الموت عندما تدق الطبول يصبح عادة يومية لاتهم المحيطين به وفي ضرب من ضروب التمادي بعدم الاكثرات به، يتحدث الشاعر عن الموت زمن الحرب فيقول :

في انتظار الرصاص؛

سأطلب منهم أن يبقوا النوافذ على اتساعها

مشرعة وبلا ستائر، ليمرق دون خجل.

في انتظار القذائف؛

سأطلبُ من السقف أن يكون رحيماً

ليترك لنا فرصة أخيرة، للحلم.

إذن الموت عند رامز فرصة للحلم بل هو فرصة للتحدي والمواجهة مناقضاً بذلك لمفهوم الموت العادي باعتباره نهاية الحياة ودخول عالم الابدية بل هو فرصة للحلم( ليترك لنا فرصة أخيرة، للحلم.) دون أن يغفل عن تذكيرنا بوصيته في أخر قصيدته طبول الحرب فيقول:

سأعلمهم كيف يبتسمون للرصاص

وكيف يزيحون صوت القتال بغنائهم.

مفهوم الموت في النص الشعري الليبي المعاصر

4 تعليقات على “مفهوم الموت في النص الشعري الليبي المعاصر

  1. السلام عليكم
    ربما هذا مروري الثاني على موقعكم الزاخر والجميل ومايحتويه من كنوز رائعة بحق ..اشتهيت أن ادون هذا التواضع لكم ..فهو بحق مادة دسمة لمتابع خجول مثلي ..لكم مودتي

اترك رداً على سالم عمر إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.