دروب في دروب الحياة

درب 1: شغف.

بشغف جئت مدفوعاً لهذا الكتاب، ورغبة في كشف ما يحمل من معارف وأخبار، خاصة بعض اللقاء الذي خص به ملتقى المبدعات العربيات* المربية الفاضلة “رباب أدهم” في حديث عن تجربتها كتابة سيرتها الذاتية.

قلت جئت مدفوعاً، وكل شغف للدخول إلى هذه الدروب، لما تمثله هذه التجربة من؛

– كونها محاولة لكتابة سيرة ذاتية، وهي سيرة ذاتية لامرأة ليبية،

– وكونها وثيقة تؤرخ لمرحلة مهمة من تاريخ ليبيا، إبناء الاحتلال الإيطالي وما بعده،

– وهي في ذات الوقت، تقدم فكرة عن دور العائلات الليبية في المهجر اجتماعياً وسياسياً،

– وصورة للمجتمع الليبي لما بعد الاستقلال، مرحلة بناء الدولة.

درب 2: تاريخ.

تقول الأستاذة “رباب” إنها تحب التاريخ وتعشقه، وهذا ما يؤكده الكتاب في اهتمامها بالتاريخ أرقاماً وحوادثاً، وبحثاً في تاريخ الوقائع ليكون المتن أقرب للحقيقة أو محاولة لتقديم صورة أشمل للمشهد. فهي تبدأ من أواخر العهد التركي إلى فترة الاحتلال الإيطالي، ورحلة في المهجر وتصاريف الحياة لليبيين المهاجرين في سوريا والأردن.

هذه البعد التاريخي جعلنا ندخل واثقين للسيرة نتلمس بدايات التكوين الأسري –أسرة الكاتبة-، متلمسين كل الآثار والمؤثرات الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية، التي ساهمت في إعداد السيدة “رباب” لتنمو طفلة لأسرة ليبية في أرض المهجر بالأردن، والتي كانت في حقيقتها وطناً ولو مؤقتاً.

غلاف كتاب (دروب في الحياة) للأستاذة: رباب أدهم.
غلاف كتاب (دروب في الحياة) للأستاذة: رباب أدهم.

السيرة في هذا الكتاب تتعلّق بشكل كبير بالتاريخ، وكأنها محاولة لكتابة التاريخ من خلال السيرة أو العكس، وهو وإن كان عشقاً –كما أشرنا-، إلا أنه يستأثر بالهم الأكبر للكاتبة حتى يتحول لأمر معه لرصد للعام دون الخاص المفترض للسيرة، لتذوب السيرة الذاتية في الخط التاريخي.

ملمح آخر، هو قدرة الكاتبة على الوقوف في المنطقة الوسطى في مسطرة التاريخ، فلا يغوص النص عميقاً، ولا يطفو على السطح، بالتالي تحافظ السيرة على مسافتها للدخول والخروج، بطريقة محترفة وسريعة، فالقارئ للسيرة يجد الكاتبة تختفي ساعة لتعود للظهور من جديد.

درب 3: المرأة.

تقدم السيرة في الكثير من محطاتها صورة المرأة الليبية، وهي صورة مميزة وغنية بالتفاصيل، وتعكس بطريقة مباشرة حركة التاريخ وتطور دورها الاجتماعي من ربة بيت إلى عاملة في المؤسسات والهيئات الوطنية. وهو درب لم يكن من السهل على المرأة الليبية سلوكه، مستفيدة فيه من الخبرات العربية والاحتكاك مع التجارب العالمية.

فالسيدة “رباب أدهم” صاحبة السيرة تسجل اسمها في لوحة الشرف كأول فتاة ليبية تتحصل على مؤهل جامعي. وهي لم تكتفي بهذا الشرف، بل تعود لليبيا الخمسينيات عاملة في مجال التربية لصناعة جيل من فتيات ليبيا المتعلمات.

وفي سيرة التعليم، ترصد الكاتبة أكثر من محطة مهمة في تاريخ التعليم في ليبيا، من تاريخ أول مدرسة ومعهد إلى أول جيل من المعلمات الليبيات. ونكبة التعليم الممنهجة التي رافقت نظام الطاغية. الجميل في هذا الثبت اكتشافي إن مدرسة (براعم الأقصى) التي درست بها منذ سنتي الرابعة هي من أولى المدارس النموذجية في طرابلس.

الجميل في هذا الرصد هو استقبال المجتمع للمرأة، عاملة فيه من خلال مؤسساته وهيأته دون النظر إليها بنظرة دونية أو إقصائية، ومنحها الفرصة للعمل والإبداع، كنصف هو الجناح الثاني لرقي المجتمع.

الملمح الثاني في هذه الصورة الجميلة، هو اكتشافي أن أحد السيدات التي ذكرتهن السيرة، تربطني علاقة صداقة قواية بأبنها ورغم معرفتي بتاريخها كمربية، إلا أني وعيت دورها الريادي من خلال هذا الثبت.

درب 4: سيرة.

امتدت هذه السيرة على 400 صفحة، ونستطيع أن نرصد خطاً تاريخيا لها يبدأ في نهاية القرن التاسع عشر وينتهي عند ثورة 17 فبراير. وأن نرصد مسافة ثابتة تبدأ من ثلاثينات القرن الماضي حتى وتاريخنا الحالي.

كتبت السيرة بلغة عربية سهلة وسلسة تجعل من القارئ لها يستمتع بهذه الانسراح، وهذا الامتداد الأفقي الخالي من العوارض والمطبات، وهذا يعكس مقدار الصدق والحب الذي نشأ لحظة عزم الكاتبة البدء في خط هذه السطور، فتآلفت اللغة والسرد على عكس نبض الوقائع، وكأننا في ذات الحدث، جزء منه. وهذا ما لمسناه وهي تترصد اللحظات السعيدة والحزينة التي مرت بها، خاصة عند خولها فترة السبعينيات كمرحلة مهمة في تاريخ ليبيا، وكيف أجبرت هذه الأسرة على الخروج لتعاود الهجرة من جديد.

كما واستطاعت الكاتبة أن تضمن هذا الثبت مجموعة من الصور والمشاهد الجميلة، التي استطاعت أن تقدم لما عيناً ذكية وقوة ملاحظة، استطاعت رسم التفاصيل الصغيرة للمناظر والشوارع والحواري ومسارب المياه، وأزعم إن غنى المشهد هو ما جعله يلتصق بالذاكرة، ليحضر حياً في هذا الثبت بعد مضي الكثير من السنوات، على العكس من اختفاء هذه العين بعد عودتها لليبيا، فلا نكاد نقع في السيرة على وصفٍ لشوارع وأحياء طرابلس بذات المستوى مما قدم في بداية السيرة، أم إنها ذاكرة الطفولة؟

درب 5: هروب.

في هذه القراءة، توقفت عند مجموعة من الملاحظات، رأيت أنها الأحق بالتوقف عندها في هذا المتن، كون تتبع كامل السيرة. فهي سيرة غنية بالمحطات المهمة والتي تتطلب الكتابة عنها باستفاضة، لكني كما قلت؛ توقفت عن بعض الجوانب الفنية في كتابة هذه السيرة.

أما ملاحظتي الفنية الأخيرة قبل الختام، هي صغر حجم الصور الموجودة بالكتاب، مما أفقدها الكثير من خصائصها لتكون ثبتاً وسرداً موازياً.

وقبل أن أختم، سأتعمد أن أعلن نهاية المؤلف، لأكون قادراً على محاكمة النص، واستنطاقه، من خلال تهمة الهروب، وأقصد بها هروب الكاتبة في الكثير من اللحظات عن السرد، وهو ليس بهروب “شهرزاد” إنما هروب الخوف، ربما لضرورة الكتمان.

نلمح أول هذه اللحظات توقف السيرة عن ذكر ما يتعلق بقلب بطلتها، لنكتشف هذا القلب لحظة لقائها بالشاب المذيع الذي شاءت الأقدار أن يكون زوجها، وفي ظني إن الزواج منح السيرة الموافقة للإعلان. وإلا أين قلب البطلة الفتاة وهي شابة، ومن ثم وهي طالبة تدخل مجتمع طلابياً غنياً، وقبله، وبعده. وكأننا أمام صورة لبطلة مثالية، تذكرنا بروايات الأربعينيات. بالرغم من الإيقاع الحي لأحداث السيرة.

لحظة أخرى أسدل عنها السرد ستاره، وأخفاها، ونعني الشخصية التي سكنت منزل الأسرة، والتي أصرت على التواصل للحفاظ حق أصحابها في بيتهم. فما قدمته هذه الشخصية للأسرة يمنحها جواز الإعلان للعبرة والإنصاف.

أغفل السرد –أيضاً-ذكر الكثير من الشخصيات التي كانت بطلة السيرة على تماس مباشر معها في مجال التعليم، والاكتفاء بذكر من انتهى منها أو من احترقت ورقته.

وأتوقف هنا، لأقول إن السيدة والمربية الفاضلة “رباب أدهم” استطاعت أن تملكني من خلال سيرتها (في دروب الحياة) وأن أكون حاضراً في كل مشهد، من خلال العاطفة التي استطاعت تسريبها بين سطور النص، وأستطيع القول أن السيدة “رباب أدهم” كتبت سيرة مجتمع أكثر مما كتبت سيرة ذاتية لامرأة ليبية.. وهذه دعوة للقراءة من جديد.

___________________________

* ملتقى مبدعات عربيات في زمن الحرية – بنغازي 27-29/11/2012.

نشرت بصحيفة فبراير (392) 21-02-2013

دروب في دروب الحياة

تعليقان على “دروب في دروب الحياة

اترك رداً على نهاوند مصراته إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.